بوشعيب مجدول يفتح ملف الأمومة خارج الزواج

0

بوشعيب مجدول يفتح ملف الأمومة خارج الزواج

تظلّ الأمومة خارج إطار الزواج في المغرب موضوعًا شديد الحساسية، يكتنفه قدر كبير من الوصمة الاجتماعية والتهميش. في كتابه التجربة غير المتوقعة: تجارب وتحديات الحمل غير المرغوب فيه في المغرب، يقدّم الأستاذ الباحث بوشعيب مجدول، أستاذ علم الاجتماع بـجامعة ابن زهر، قراءة سوسيولوجية معمّقة لمسارات النساء اللواتي يواجهن حملًا غير مرغوب فيه، مبرزًا كيف تُنتج البُنى الاجتماعية والقانونية هشاشتهن وتُعيد إنتاجها، وكاشفًا واقعًا غالبًا ما يظل خارج اهتمام الدولة والمجتمع.

وقد قدّمت الكتاب الباحثة السويسرية إيرين مافي، أستاذة الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية بـجامعة لوزان، مما أضفى عليه بعدًا أكاديميًا دوليًا وأكّد أهميته في فهم هذه الظاهرة في سياق مقارن.

في المجتمع المغربي، تُعدّ الأمومة محطة أساسية تمنح المرأة مكانتها الاجتماعية وتؤكد هويتها ونضجها، غير أن الإنجاب يظل مقبولًا فقط داخل مؤسسة الزواج. أما الحمل خارج هذا الإطار فيُعد خرقًا للأعراف الدينية والاجتماعية والقانونية، ما يضع الأمهات العازبات وأطفالهن في وضعية تهميش مستمرة، ويعرّضهن أحيانًا لعقوبات قانونية وضغوط اجتماعية قاسية.

يمنح الكتاب صوتًا لهؤلاء النساء اللواتي غالبًا ما يُقصين من النقاش العام. وقد استند الباحث إلى تحقيق ميداني في مدن كبرى، ركّز فيه على النساء المنحدرات من الطبقات الهشة اللواتي يواجهن صعوبات حادة في إنهاء الحمل أو رعاية أطفالهن، في ظل مخاطر اجتماعية وقانونية واقتصادية متعددة.

كما يسلّط الضوء على ما يسميه الباحث «إنتاج الهشاشة» على المستوى المؤسساتي، حيث تسهم القوانين والسياسات العمومية في تعميق ضعف هذه الفئة بدل حمايتها. فكثير من الأمهات العازبات خارج الإحصاءات الرسمية ولا يستفدن من الدعم الاجتماعي أو العائلي الكافي، بينما تبقى جهود الجمعيات المدنية، رغم أهميتها، محدودة مقارنة بحجم الحاجيات.

ويتناول الكتاب أيضًا الأبعاد الثقافية والدينية المرتبطة بالأمومة والجنس، وضعف التربية الجنسية لدى الشباب، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الفوارق في التنشئة الاجتماعية بين الجنسين، وصعوبة ولوج غير المتزوجين إلى وسائل منع الحمل والخدمات الصحية، مع إبراز مسؤولية الرجال في العلاقات خارج الزواج، وهي زاوية غالبًا ما يتم إغفالها.

في جزئه الأخير، يعرض الكتاب شهادات وقصصًا حية لأمهات عازبات منذ لحظة اكتشاف الحمل إلى ما بعد الولادة، كاشفًا حجم التحديات الاجتماعية والقانونية والإدارية التي يواجهنها، ومبرزًا في الوقت نفسه دور المجتمع المدني في تقديم الدعم رغم محدودية الإمكانات.

ولا يكتفي الكتاب بوصف الواقع، بل يشكّل دعوة صريحة لإعادة التفكير في العقد الاجتماعي المغربي، من خلال إصلاح المنظومات التعليمية والصحية والاجتماعية والقانونية، وتعزيز العدالة الاجتماعية والإنجابية، وإشراك الرجال والنساء معًا في تحمل المسؤولية. وبذلك يقدم العمل مساهمة علمية مهمة في النقاش حول حقوق المرأة والأمومة والعدالة الاجتماعية في المغرب المعاصر، كما يفتح أفقًا لدراسة ظواهر مماثلة في مجتمعات أخرى تعيش توترًا بين الأعراف التقليدية والتحولات الحديثة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.