يختتم برنامج «حديث الميكروفون» حواره مع الباحث في سوسيولوجيا الانتخابات يوسف صبري، في حلقة ثالثة وأخيرة انتقلت من تحليل المشهد الانتخابي إلى أسئلة أعمق تتصل بالمجتمع، والتواصل السياسي، والمحاسبة، والبيئة، والتحول الرقمي، ثم سلوك الناخب في الاستحقاقات الانتخابية.
وفي هذا الجزء من الحوار، برزت المسألة الاجتماعية باعتبارها واحدة من أعقد القضايا التي تواجه الفاعل العمومي، حيث شدد يوسف صبري على أن فهمها لا يمكن أن يختزل في المؤشرات الاقتصادية أو في البرامج الانتخابية وحدها، داعياً إلى استحضار العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا وعلم التواصل، إلى جانب الجامعة ومراكز البحث، لفهم الظواهر الاجتماعية وتفسيرها.
وربط الباحث بين علم التواصل وبين قدرة المنتخب على الإنصات إلى قضايا السكان ونقلها إلى المؤسسات، معتبراً أن التواصل لم يعد مجرد وسيلة دعائية، بل أصبح مجالاً معرفياً قائماً بذاته، يفترض أن يحضر في إدارة الحملات وفي علاقة المرشح بالناخب.
وتوقف الحوار أيضاً عند البيئة والسكينة العامة باعتبارهما جزءاً من السلوك الانتخابي نفسه، وليس فقط من البرامج السياسية. فطريقة تنظيم الحملات، واستعمال مكبرات الصوت، والتواصل في الفضاءات العامة، كلها ممارسات يمكن أن تعكس تصوراً معيناً لعلاقة المرشح بالمواطن والمجال الذي يعيش فيه.
وفي المقابل، دعا صبري إلى التفكير في أشكال أكثر حداثة للتواصل الانتخابي، من خلال المناظرات والنقاشات العمومية والصحافة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، بما يسمح للمرشحين السابقين بتقديم حصيلة عملهم، وللوجوه الجديدة بعرض برامجها ورؤاها أمام الناخبين.
الحصيلة مقابل الوعود كانت من أبرز القضايا التي طبعت هذا الجزء من الحوار. واعتبر الباحث أن المرشح الذي سبق له تحمل المسؤولية الانتخابية مطالب، قبل تقديم وعود جديدة، بالعودة إلى تجربته السابقة وتقديم حصيلة ملموسة لما أنجزه خلال ولايته، حتى يصبح النقاش حول المستقبل مرتبطاً بما تحقق فعلياً في الماضي.
كما ربط الحوار بين الانتخابات والتحولات الكبرى التي يعرفها المجتمع، من بينها الذكاء الاصطناعي والانتقال الرقمي والقضايا المناخية والبيئية، معتبراً أن هذه المواضيع لم تعد بعيدة عن عمل المؤسسات المنتخبة، بل أصبحت جزءاً من التحديات التي ينبغي أن يكون المنتخبون واعين بها.
وانتقل النقاش بعد ذلك إلى سؤال الناخب، باعتباره طرفاً أساسياً في العملية الانتخابية. وهنا استحضر صبري بعض المقاربات السوسيولوجية التي اشتغلت على طبيعة البنيات الاجتماعية بالمغرب، وعلى تأثير العائلة والقرابة والعلاقات الاجتماعية وغيرها من العوامل في السلوك الانتخابي.
غير أن الباحث شدد في الوقت نفسه على أن فهم هذا السلوك يحتاج إلى دراسات ميدانية وأدوات علمية، بعيداً عن الأحكام الجاهزة أو التفسيرات الاختزالية.
وفي السياق ذاته، عاد الحوار إلى دور المدرسة في بناء مجتمع أكثر عقلانية وقدرة على التعامل مع السياسة والاختيارات العامة انطلاقاً من المعرفة والتجربة والنقاش، مستحضراً بعض أفكار بيير بورديو حول المدرسة وإعادة إنتاج البنيات الاجتماعية.
وفي الجزء الأخير، وصل النقاش إلى المشهد الانتخابي بإقليم الرحامنة، حيث تتنافس 17 لائحة على ثلاثة مقاعد برلمانية. وهنا اختار الباحث الابتعاد عن منطق التنبؤ بالنتائج، مفضلاً الحديث عن المؤشرات والقراءات الممكنة في ضوء تركيبة اللوائح، وحضور الشباب، ومستويات التعليم، وطريقة تواصل المرشحين مع الكتلة الناخبة وفي الأحياء والفضاءات العامة.
وبذلك ينتهي الحوار عند سؤال مفتوح: كيف يمكن قراءة الانتخابات بعيداً عن النتائج الرقمية وحدها؟
فصندوق الاقتراع لا يقدم فقط أسماء الفائزين، بل ينتج أيضاً معطيات تستحق الدراسة حول المجتمع، والسلوك الانتخابي، والثقة في المؤسسات، وطبيعة العلاقة بين الناخب والمنتخب.
بهذه الحلقة، يختتم «حديث الميكروفون» سلسلة حواره مع يوسف صبري حول الانتخابات التشريعية 2026، على أن يفتح البرنامج لاحقاً ملفات جديدة، أو يعود إلى المشهد الانتخابي من زاوية أخرى بعد ظهور النتائج، في محاولة لقراءة ما حدث، وما الذي يمكن أن تقوله الأرقام عن المجتمع والناخب والفاعل السياسي.
