عيد الأضحى بين قيم التضامن وفوضى السلوك الاستهلاكي
خبر24-محمد الدفيلي
يحلّ عيد الأضحى من جديد، حاملاً أبعاده الدينية والروحية والاجتماعية، باعتباره مناسبة للتقرب إلى الله وصلة الرحم وترسيخ قيم التضامن والتكافل داخل المجتمع المغربي. غير أن هذه المناسبة، التي يُفترض أن تظل مرتبطة بمعاني الرحمة والاعتدال والتوازن، باتت في كثير من الحالات تتحول إلى مصدر ضغط اجتماعي واقتصادي ونفسي على شريحة واسعة من الأسر، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وغلاء أسعار الأضاحي بشكل يثقل كاهل المواطنين.
ففي كل سنة، تجد آلاف الأسر نفسها أمام سباق مرهق لتأمين ثمن الأضحية، أحيانًا عبر الاقتراض أو التضحية بحاجيات أساسية، فقط لمجاراة ضغط اجتماعي وثقافة استهلاكية تختزل العيد في المظاهر أكثر من جوهره القيمي. والحال أن روح عيد الأضحى لا تُقاس بحجم الأضحية أو ثمنها، بقدر ما ترتبط بالنية الصادقة والتراحم والتوازن والابتعاد عن التكلف.
وبالموازاة مع ذلك، تتكرر سنويًا مظاهر سلبية تسيء إلى صورة الأحياء والمدن والقرى بعد أيام العيد، من خلال رمي مخلفات الأضاحي في الأزقة والشوارع والبالوعات والمساحات العمومية، في مشاهد تعكس ضعف الوعي البيئي والسلوكي، رغم ما تشكله من مخاطر صحية وبيئية، وما تسببه من اختناق لشبكات الصرف الصحي وتلوث للمجال العام. وهي ممارسات تعيد طرح سؤال التربية المدنية والوعي الجماعي، وتفرض في المقابل تعزيز حملات التحسيس والتدبير الاستباقي للنفايات من طرف الجماعات الترابية والمصالح المختصة.
وفي سياق موازٍ، لا يمكن إغفال بعض الممارسات الاحتكارية والمضاربات التي ترافق سوق الأضاحي، حيث يتحول العيد لدى بعض الفاعلين إلى فرصة للربح السريع، بعيدًا عن أي اعتبار اجتماعي أو أخلاقي. فاحتكار الأضاحي ورفع الأسعار بشكل مبالغ فيه واستغلال حاجة المواطنين، كلها سلوكيات تُفرغ المناسبة من بعدها التضامني، وتفرض ضرورة تشديد المراقبة ومحاربة كل أشكال المضاربة غير المشروعة.
وفي إقليم الرحامنة، الذي يُعدّ تاريخيًا أحد أبرز مجالات الرعي وتربية الماشية بالمغرب، ويرتبط اسمه بسلالة “الصردي” المعروفة وطنيًا، يبرز سؤال أعمق يتجاوز ظرفية العيد نحو مستقبل القطاع برمّته. فأين هي البرامج الفعلية التي اشتغلت عليها مختلف المتدخلين من حكومة وغرفة فلاحية وجماعات ترابية من أجل تكوين وتأهيل جيل جديد من “الكسابة” القادرين على إعادة بناء القطيع المحلي وتطوير قطاع تربية الماشية وفق مقاربات حديثة ومستدامة؟ وأين هي سياسات مواكبة صغار المربين في مواجهة آثار الجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف والتحولات المناخية التي أرهقت العالم القروي؟
إن الحفاظ على الموروث الرعوي للرحامنة لا ينبغي أن يظل مجرد خطاب مناسباتي مرتبط بعيد الأضحى، بل يستدعي رؤية تنموية واضحة تجعل من تربية الماشية قطاعًا منتجًا ومستدامًا، قائمًا على التكوين والدعم والتأطير، وتحفيز الشباب القروي على الاستثمار في هذا المجال الحيوي.
عيد الأضحى ليس فقط مناسبة للاستهلاك والذبح، بل فرصة لإعادة طرح أسئلة الوعي والتضامن والأمن الغذائي والتنمية القروية واحترام المجال والبيئة. وبين القيم الدينية ومتطلبات الواقع، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء مجتمع يوازن بين التقاليد والمسؤولية، وبين الفرح الجماعي واحترام الإنسان والمجال العام.
