الفعل المدني في المغرب بين التنمية والزبونية: قراءة نقدية

الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي (للتوضيح)
0

الفعل المدني في المغرب بين التنمية والزبونية: قراءة نقدية 

العتوبي عبدالاله

باحث في سوسيولوجيا الهشاشة والحياة اليومية

 

لم يعد الحقل الاجتماعي، باعتباره فضاءً للفعل العمومي والتدخل التنموي، مجرد مساحة محايدة لتطبيق السياسات الاجتماعية أو احتضان المبادرات المدنية. بل أصبح في كثير من تجلياته ساحة صراع خفي حول السلطة، الشرعية، وإعادة توزيع الامتيازات. ومن ثم، يقتضي تحليله استحضار الأدوات المفاهيمية التي طورها بيير بورديو، خاصة مفاهيم الحقل، الرأسمال الرمزي، وآليات إعادة الإنتاج الاجتماعي.

في هذا الإطار، ما يبدو ظاهريًا كفعل مدني تطوعي أو دينامية جمعوية قد يخفي أشكالًا من الهيمنة الناعمة، تمارسها فئات قد تفتقر أحيانًا إلى الكفاءة، لكنها تتحكم في الموارد والشبكات. هذا ما يمكن وصفه عند آلان دونو بـ”هيمنة التافهين”، ليس بالمعنى الأخلاقي المبسط، بل كنمط من إقصاء الكفاءات لصالح ولاءات القرابة والزبونية.

التحول الذي شهدته الأطر المدنية من أدوات لتحقيق التنمية إلى وسطاء لإعادة إنتاج الفساد وسوء الحكامة، يمكن فهمه في سياق ديناميات الوساطة المختلة، حيث تتحول المؤسسات الوسيطة من جسور للإدماج إلى آليات لاحتكار الفرص وتوزيعها بشكل غير عادل. في هذه الحالات، لا تعود الجمعيات مجرد أطر للتأطير والمواكبة، بل تتحول إلى بنيات مغلقة، قائمة على منطق “المحميات” والتحالفات الضيقة، منتجة لشبكات نفوذ شبيهة بشبكات الزبونية السياسية، ما يقوض الثقة في الفعل المدني ويحولها إلى مجال للشبهة بدل أن تكون رافعة للثقة الاجتماعية.

وتصبح مسألة إدماج الشباب، محورًا أساسيًا في التوجهات الرسمية، رهينة ليس فقط بفرص الشغل المتاحة، بل بطبيعة العلاقات التي تحدد الوصول إليها. إذ يمارس بعض الفاعلين، بدل أداء دور التأطير والتكوين ونقل الخبرة، أشكالًا متعددة من الإقصاء الرمزي والمادي. كل وافد جديد يُنظر إليه كتهديد للمواقع المكتسبة، فيتم عزله، تهميشه، أو دفعه إلى الانسحاب، أو حتى فبركة ملفات أخلاقية أو قانونية، مما يعيد إنتاج الهشاشة بدل معالجتها. هذه الممارسات يمكن فهمها من خلال مفهوم “العنف الرمزي” لبورديو، حيث تُفرض الهيمنة عبر آليات دقيقة من الإقصاء والتبخيس وإضعاف الثقة بالنفس والابتزاز الرمزي أحيانًا.

ولا تقتصر مظاهر الاختلال على الفعل المدني فحسب، بل تمتد إلى بعض المؤسسات، بما فيها العمومية، حيث تتحول العلاقات المهنية إلى فضاءات مشحونة بالتوتر والصراع، تغذيها ثقافة تنظيمية هشة يسودها الجهل وضعف الكفاءة. هذا يفتح المجال لسلوكات منحرفة قد تصل إلى العنف غير المادي، أو ممارسات غير عقلانية تعكس أزمة عميقة في القيم والمعايير المؤطرة للعمل المؤسساتي. في مثل هذه السياقات، يصبح الانحراف مؤشراً على خلل بنيوي في منظومة الحكامة، وليس مجرد حالات فردية معزولة.

أمام هذه الوضعية، يطرح السؤال بإلحاح حول الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية، خاصة في ما يتعلق بالدعوة إلى الجدية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فإذا كانت الإرادة السيادية واضحة في التأكيد على بناء دولة اجتماعية عادلة، فإن الإشكال يكمن في مسارات التنزيل، حيث تتحول بعض التوجيهات إلى شعارات ظرفية لا تجد طريقها إلى التفعيل الصارم في مختلف مستويات التدبير. هذا التوتر يعكس صراعًا بين منطق الدولة التي تسعى إلى ترسيخ الحكامة الجيدة، ومنطق الفاعلين الذين يستفيدون من استمرار الهشاشة المؤسساتية.

وبالتالي، لا يمكن الحديث عن الدولة الاجتماعية دون مساءلة شروط تحققها الفعلي، وعلى رأسها تفعيل القانون بشكل عادل، وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس كشعار، بل كممارسة يومية تشمل جميع الفاعلين دون استثناء. فالإرادة السياسية وحدها غير كافية إذا لم تترجم إلى آليات مؤسساتية لضبط الانحرافات ومعاقبة الفساد، بما في ذلك إعادة النظر في أدوار الفاعلين الوسيطين، تأهيلهم، وربط دعمهم بالشفافية والكفاءة.

الرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على محاربة الهشاشة الاجتماعية الاقتصادية، بل يشمل تفكيك الهشاشة المؤسساتية التي تسمح باستمرار ممارسات الريع والزبونية. فأي مشروع تنموي، مهما كانت طموحاته، سيظل مهددًا بالفشل ما لم يتم تحصين الحقل الاجتماعي من اختراقات التفاهة، وإعادة بنائه على أسس الاستحقاق والمسؤولية والأخلاق العمومية وأنسنة الفعل الاجتماعي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!