تنويع العرض التربوي بالمغرب بين الإصلاح المعلن والحاجة الواقعية

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تنويع العرض التربوي بالمغرب بين الإصلاح المعلن والحاجة الواقعية

عبد الرزاق حمادشي
ماجستير في القانون العام الداخلي وتنظيم الجماعات الترابية
المملكة المغربية

عبد الرزاق حمادشي
ماجستير في القانون العام الداخلي وتنظيم الجماعات الترابية
المملكة المغربية

يُعدّ تنويع العرض التربوي والتعليمي بمختلف مراحل التعليم الأساسي (الابتدائي، الإعدادي، والثانوي التأهيلي) أحد المداخل الكبرى لتجويد المنظومة التعليمية بالمغرب، وجعلها أكثر إنتاجية وملاءمة لمتطلبات سوق الشغل، وكذا لإعداد جيل مثقف، واعٍ، فاعل ومؤثر في محيطه القريب والبعيد، ومتملك لمهارات التكيف مع تقلبات الحياة ومتغيرات العصر والواقع المهني.

وعلى هذا الأساس، جاء القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين بعدة مقتضيات تصب في هذا الاتجاه، غير أنها ظلت – في مجملها – محصورة في تطوير المهارات اللغوية والحسابية، والاهتمام بمجالات العلوم والتكنولوجيا، دون أن تتعدى ذلك إلى إدراج مواد جديدة في الأسلاك التعليمية الثلاث، أو فتح شعب ومسالك جديدة في مرحلة الثانوي التأهيلي، أو إعادة النظر في الزمن المدرسي المخصص للتلاميذ، ولا في الوحدات المناسبة لكل تخصص، ولا حتى في مسطرة التوجيه والإرشاد لما بعد نيل شهادة البكالوريا.

أما محور العلوم الإنسانية والآداب، فلا نكاد نلمس له أثرًا واضحًا في هذا القانون، الذي يُقدَّم باعتباره خارطة طريق لإصلاح منظومة التعليم بالمغرب. إذ لا تحظى التخصصات الإنسانية والاجتماعية بنفس التقدير الذي تحظى به التخصصات العلمية والتقنية، رغم أن أي إنسان عاقل لا يمكنه إنكار فضل العلوم الإنسانية على تطور البشرية. فالمهندس الذي يشتغل دون وازع أخلاقي أو قانوني قد يتسبب، على سبيل المثال، في كوارث إنسانية نتيجة تشييد بنايات دون احترام شروط السلامة والأمان.

من هنا، يصبح التلازم بين العلوم العلمية والعلوم الإنسانية أمرًا محمودًا وضروريًا، بل وواجبًا.

وانطلاقًا من ذلك، يتعين على الدولة إعادة النظر في المناهج الدراسية المقررة في مختلف المحطات التعليمية، وتطعيمها بوحدات جديدة تستجيب لمتطلبات الواقع المعاصر، وتؤهل التلميذ للتفاعل العقلاني والتحليلي مع محيطه، وتنمّي لديه ملكات النقد، والتحليل، والفهم، والتعبير، والحوار.

وفي هذا الإطار، نقترح من خلال هذا المقال تصورًا لهندسة جديدة لوحدات تعليمية يمكن اعتمادها في جل الأسلاك التعليمية الأساسية بالمغرب، ويتعلق الأمر بـ: علم النفس (أولًا)، علم الاجتماع (ثانيًا)، التربية الإعلامية (ثالثًا)، الثقافة العامة (رابعًا)، التربية الحقوقية والقانونية (خامسًا)، التربية المالية (سادسًا)، ثم فتح مسلك العلوم القانونية والإدارية في مستوى الثانوي التأهيلي (سابعًا).

أولًا: علم النفس

إن اعتماد مادة علم النفس في المرحلة الثانوية التأهيلية، خاصة لدى تلاميذ مسلكي العلوم الإنسانية والآداب، من شأنه أن يفتح أمامهم آفاقًا معرفية جديدة، ويُمكّنهم من فهم أعمق للإنسان باعتباره كيانًا نفسيًا واجتماعيًا، ويكسبهم أساسيات التحليل النفسي ومهارات التفكير السلوكي والنقدي.
ويُقترح إقرار هذه المادة كمادة أساسية، عبر الرفع من عدد حصصها ومعاملها، وبرمجتها ضمن الامتحانات الإشهادية، سواء الجهوية أو الوطنية، بالنسبة لشعب الآداب والعلوم الإنسانية، مع إمكانية إدراجها كمادة تكميلية أو مادة للتفتح لباقي الشعب.

ثانيًا: علم الاجتماع

يُعد إدراج علم الاجتماع مادةً للتفتح في التعليم الثانوي التأهيلي مطلبًا ملحًا، لما له من دور في توعية التلاميذ بقضايا المجتمع، وتدريبهم على التحليل السوسيولوجي للظواهر الاجتماعية التي تمس حياتهم اليومية.
وبالنسبة لتلاميذ شعب العلوم الإنسانية والآداب، ينبغي اعتماد هذه المادة كمادة أساسية، مع تخصيص معامل مرتفع وعدد حصص كافٍ، وبرمجتها ضمن الامتحانات الإشهادية.

ثالثًا: التربية الإعلامية

تُعد التربية الإعلامية من المواد الحيوية التي يجب إدماجها في جميع المستويات التعليمية، لما لها من دور في تنمية الحس النقدي والمهارات التذوقية والإعلامية لدى التلميذ، خاصة في ظل الثورة الرقمية.
وينبغي أن تشمل هذه المادة مهارات تحليل المعلومات، والتعامل الآمن مع الأجهزة الذكية، والحاسوب، ووسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مهارات التوثيق، ومعالجة المعلومات، والاستخدام الآمن للتكنولوجيا.
وفي المستوى الثانوي التأهيلي، يمكن إدراج مهارات تقنية متقدمة مرتبطة بأجهزة الاستقبال والاتصال. والغاية من ذلك تحصين المتعلمين من الاستهلاك العشوائي للمضامين الإعلامية، وتعزيز قدرتهم على التعامل الواعي معها.

رابعًا: الثقافة العامة

تُعد الثقافة العامة مادة تكميلية تهدف إلى تزويد التلاميذ برصيد معرفي متنوع في مجالات السياسة، والفن، والرياضة، والمسرح، وغيرها، بما يتيح لهم المشاركة الواعية في النقاش العمومي.
ويُستحسن إدماج هذه المادة في مختلف المراحل التعليمية، مع إمكانية اعتمادها ضمن مواد الامتحان الوطني للبكالوريا لجميع الشعب.

خامسًا: التربية الحقوقية والقانونية

نظرًا لأهميتها البالغة، يُستحسن إدراج مادة التربية الحقوقية والقانونية في مستوى الثانوي التأهيلي، حيث سيتعرف التلميذ من خلالها على حقوقه وواجباته، ومؤسسات العدالة، ومفهوم القانون، وآليات صناعته وتطبيقه في الحياة اليومية.
كما ستساهم هذه المادة في تهذيب السلوك الفردي والجماعي، وتعزيز روح المسؤولية القانونية، وتأهيل التلاميذ لمتابعة دراستهم العليا في العلوم القانونية، مع برمجتها ضمن إحدى الامتحانات الإشهادية.

سادسًا: التربية المالية

يُقترح اعتماد التربية المالية كمادة مستقلة، تُدرّس في المرحلتين الإعدادية والثانوية التأهيلية، بهدف تمكين التلاميذ من مهارات تدبير المال، وثقافة الادخار، وترشيد الإنفاق، وتنمية الحس المقاولاتي، والتحذير من مخاطر القروض والاستغلال المالي.
ولا يشترط أن تكون مادة إشهادية، لكونها تندرج ضمن المهارات الحياتية.

سابعًا: مسلك العلوم القانونية والإدارية

يشكل فتح مسلك العلوم القانونية والإدارية في التعليم الثانوي التأهيلي حلقة وصل بين التعليم الثانوي والتعليم العالي، وجسرًا نحو سوق الشغل، خاصة في المهن القانونية والقضائية والإدارية.
ويقترح أن يمتد التكوين ثلاث سنوات، تُتوَّج بالحصول على شهادة البكالوريا في العلوم القانونية والإدارية، وفق هندسة بيداغوجية تراكمية تُمكّن التلميذ من التخصص التدريجي في العلوم القانونية أو الإدارية، وتؤهله للاندماج الأكاديمي والمهني.

خاتمة

ترصيدا لما سبق، يمكن القول إن تنويع العرض التربوي في التعليم النظامي المغربي من شأنه تمكين التلاميذ من الانفتاح على مناهج حديثة تساعدهم على فهم واقعهم ومواكبة مستجداته، كما يساهم في تحقيق التكامل بين التعليم الأساسي والتعليم العالي، وتعزيز التوجيه المبكر والتراكمي.
ويبرز مسلك العلوم القانونية والإدارية كنموذج عملي لهذا التكامل، لما له من دور في تأهيل موارد بشرية قادرة على سد الخصاص في المهن القانونية والإدارية، والمساهمة في تقليص نسب البطالة في صفوف الشباب.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!