حين تموت الشائعات في المحابر … يستمر المغرب على نهج الأولياء

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

حين تموت الشائعات في المحابر … يستمر المغرب على نهج الأولياء

خبر24: زكية لعروسي

كلما اختنق الحبر في مطابع بعض الصحف، وكلما غرقت أخبارها في بحار الهوس، بحثوا عن شاطئ يلقون عليه جثّة مقال مستعجل، فلم يجدوا غير المغرب. مملكة منشغلة بتنظيم كأس إفريقيا، بتشييد الطرق، بمدّ السكك، بتثبيت موقعها كقوة إقليمية هادئة، بينما هم يبحثون في جيوبهم عن صورة ملك بتي-شيرت، كأن التاريخ يُكتب بالقطن لا بالقرار.
ليس كل من كتب فهم، وليس كل من سأل كان يبحث عن جواب. هناك من يكتب لأن الصمت أفزعه، ولأن نموذجا هادئا على الضفة الأخرى من المتوسط نسف أساطيرهم عن السلطة، والحكم، وحتى عن معنى الملك. هم لا يحتملون أن تكون السيادة بلا صراخ، وأن يكون الحاكم حاضرا دون استعراض، وأن تكون الدولة قائمة دون وصاية.
حين تساء قراءة الفلسفة، يساء تفسير الصمت: لماذا لا يتكلم كثيرا؟ وكأن الكلام شرط الحكمة. لكن الفلاسفة الكبار عرفوا: من يتكلم كثيرا يحاول إقناع نفسه، ومن يصمت طويلا يكون قد أقنع التاريخ. هذا الملك لم يجعل من الحنجرة برنامج حكم، ولا من الكاميرا مرآة وجود. فهم يقدسون الضجيج، وهو اختار ثقل الفعل. وكأن السلطة عندهم لا تقاس بالسيادة بل بعدد ساعات الظهور والكلام.
وحين تتحول التفاهة إلى تحليل، تظهر أسطورة “الملك الذي لا يقرأ”. حسنا… وهل كانت الدول تدار بعدد الكتب على الطاولة؟ محمد السادس ينتمي إلى مدرسة مغربية عريقة: مدرسة الإصغاء لا الثرثرة، ومدرسة القرار لا الاستعراض. هو ملك يعرف أن الصمت أحيانا أبلغ من ألف افتتاحية متشنجة.
حين يعجز الفكر عن تفكيك المشروع، يتسلّل إلى الجسد. يسألون عن التعب لأنهم لم يفهموا كيف إستمر البناء، يتأملون الخطوة المتثاقلة لأنهم لم يستوعبوا ثبات الاتجاه. لكن الدول لا تقاس بنبض الحاكم، بل بنبض المؤسسات. والممالك التي تسقط بوعكة لم تكن ممالك… بل مسارح مؤقتة.
يتهمونه أحيانا بالهروب خارج الحدود… يا للسذاجة! الملوك الذين يخافون شعوبهم يختبئون في القصور، أما من إطمأنّ لشرعيته التاريخية والشعبية، فيسافر بلا خوف ويعود بلا ضجيج. محمد السادس ليس راهبا في دير، ولا ممثلا في مسرح سياسي رخيص. هو ملك دولة عمرها إثنا عشر قرن، تعرف أن الاستمرارية لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى جذور عميقة وصبر جبلي.
المرض في المقال ليس معطى إنسانيا، بل أداة تشكيك، تعبير عن فشل الصحافة في احترام الإنسان. الملوك يقاسون بما يفعلونه وهم متعبون، لا بما يقوله الصحفيون وهم مرتاحون. ومع المرض: المغرب لم ينهر، الدولة لم تتفكك، القرار لم يتجمّد. بل بالعكس، إستمرت المشاريع، وتعزز الحضور الإفريقي، وتقدّم ملف الصحراء، وتحوّل المغرب إلى رقم صعب في معادلات المتوسط وإفريقيا.
أكثر ما أربكهم ليس الصمت، ولا العفوية، ولا المرض، بل إفريقيا. أن يروا مملكة لم تتوسّل القارة، بل خاطبتها بندّية، بالاستثمار لا بالمواعظ، بالشراكة لا بالخطابة. هذا الملك لم يرفع إفريقيا شعارا، بل أعادها إلى القلب، جعلها خيارا استراتيجيا، لا ملفا موسميا. وهكذا تحوّل المغرب من هامش مستخدم إلى نجمة إفريقية تهتدي بها دول وتربك بها عواصم.
الخطيئة الكبرى في نظرهم كانت عفوية الملك، وأكثر ما أزعجهم أنه لم يكن أسطورة مصطنعة ولا تمثالا من بروتوكول. أن يكون قريبا دون شعبوية، بسيطا دون ابتذال، محبوبا دون دعاية… تلك جريمة لا تغتفر في فلسفة السلطة الباردة. هم يريدون الملوك أصنامًا، وهو اختار أن يكون إنسانًا يحكم دولة.
ما يزعج… ليس الحكم، بل العفوية. ملك يبتسم، يتصوّر، يمشي بين الناس بلا جدار بروتوكولي سميك. هنا مكمن الرعب الحقيقي: أن ترى ملكا محبوبا دون أن يتصنّع الشعبية. أن تكتشف أن الشرعية يمكن أن تكون هادئة وغير مثبتة بالضجيج.
محمد السادس في التاريخ لا تحاكمه الأعمدة ولا المقالات، بل يقدّر عبر: تاريخ الانتقال الهادئ، إصلاح الحقل الديني، إعادة إفريقيا إلى بوصلة المغرب، تثبيت السيادة دون حروب، وبناء دولة لا تصرخ… بل تعمل.
هو ملك الصداقة، نعم، لكن أيضا ملك الدولة العميقة، ملك الاستمرارية، ملك إختار أن يكون أقل كلاما وأكثر أثرا. ملك سيترك أثره لأنه لم يحكم ليُحبّ، بل حُبّ لأنه حكم بعقل الدولة لا بغريزة المنصّة.
حين تعجز الأقلام عن فهم التجربة، تتحوّل إلى مرايا لقلقها. حين لا تجد ما تهاجمه، تفتّش في الصمت، وفي الجسد، وفي الصورة. لكن التاريخ لا يكتب بالهجاء، بل بمن صمدوا دون أن يصرخوا.
وهكذا يبقى المغرب… هادئا، راسخا، ونجمة إفريقيا لا تحتاج إذنا لتضيء. المغرب أكبر من مقالات صغيرة، وأوسع من حنين بعض الصحافة، وأذكى من أن ينجرّ إلى مهاترات موسمية. وحين تنتهي هذه المقالات إلى الأرشيف، سيظل المغرب قائما، وسيظل الملك محبوبا، ليس لأن الصحف مدحته، بل لأنها عاجزة عن تشويهه. المغرب كبير… على صغار النفوس.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!