قفا نبك على أكتاف المهاجرين: بأيّ نعمة تكذّبان؟
قفا نبك على أكتاف المهاجرين: بأيّ نعمة تكذّبان؟
متابعة: زكية لعروسي
من باريس إلى ستراسبورغ، ومن قاعات البرلمان إلى شاشات الحملات الانتخابية، تحوّلت الهجرة إلى السلاح المفضل في يد الأحزاب اليمينية المتطرفة. اليوم يقف التجمع الوطني بقيادة جوردان بارديلا ومارين لوبان، ملوّحين بتهديد “القطيعة أو الرقابة”، وكأن بقاء فرنسا لا يقوم إلا على إقصاء الغريب وتجفيف منابعه. أي مهزلة تاريخية هذه؟ أي جحود أعمى يجعل الأمة تنقلب على اليد التي تحملها؟
منذ عقود والهجرة هي الشريان الخفي في جسد فرنسا وأوروبا. على أكتاف المهاجرين شُيّدت مصانع القرن العشرين، وبأيديهم دارت عجلة “المعجزة الاقتصادية”. في المستشفيات التي يفتخر بها الفرنسيون، في المترو الذي ينهض مع أول فجر، في الورشات، في الجامعات، هناك وجوه مغاربية، إفريقية وآسيوية، تتحمل الصمت والإرهاق كي تستمر الحضارة في الدوران. فكيف ترسم اليوم صورة المهاجر كخطر، وهو العمود الذي يمنع البيت من الانهيار؟
إنها مأساة الذاكرة الأوروبية: تنسى أن الغرباء هم من ينهضون في الخامسة فجرا ليقودوا القطارات، ليغسلوا الممرات، ليبنوا الطرقات، ليطببوا الأجساد. جنود بلا رايات، بلا نياشين، بلا نشيد وطني، لكن فرنسا لا تخطو خطوة من دونهم.
أي حرية هذه التي تتغنى بها الجمهورية، واقتصادها قائم على ظهور منحنية؟ أي مساواة هذه التي تدرّس في المدارس، بينما المصابيح يضيئها عرق مهاجر مجهول؟ أوروبا ليست سوى جسد عجوز يتوكأ على عكاز، والعكاز هو المهاجر. فإذا انكسر، سقط الجسد وانطفأ التاريخ.
أيها الساسة الذين يصرخون بالقطيعة، أنصتوا قليلا للضمير الأوروبي:
تخيلوا يوما بلا مهاجرين…
مستشفيات مظلمة، قطارات متوقفة، شوارع تغرق في الفوضى، واقتصاد يتداعى كقصر من رمل تلتهمه أول موجة.
الهجرة ليست غزوا كما تزعمون، بل السلاح الأخير ضد التفتت. إنها المعجزة اليومية الصامتة، الجيش غير المرئي الذي يضخ الحياة في جسد قارة عجوز.
فبأي نعمة تكذّبان؟
أية أمة هذه التي تكفر بالعكاز الذي يبقيها واقفة؟
وأي حضارة هذه التي تستحي من الاعتراف بأن الغرباء هم أوتادها؟
الهجرة ليست عبئا… إنها آخر جدار يحميكم من الانهيار.
