عندما يختبر الزمن مبادئ الوثيقة السامية..أربعة عشر ربيعًا على دستور 2011
محمد الدفيلي
قبل أربعة عشر عامًا، وتحديدًا في الأول من يوليو 2011، صوت المغاربة في استفتاء تاريخي على دستور جديد. لم يكن هذا الدستور مجرد وثيقة قانونية عادية، بل كان تتويجًا لإرادة شعبية عارمة نحو التغيير والإصلاح، وتعبيرًا صريحًا عن التلاحم العميق بين الشعب المغربي والمؤسسة الملكية في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد. كانت تلك الوثيقة السامية بمثابة عقد اجتماعي جديد، يضع أسسًا متينة لدولة الحق والقانون، ويعزز الحريات، ويوسع من صلاحيات المؤسسات المنتخبة، ويرسخ الجهوية المتقدمة.
لقد كتب الكثير عن دستور 2011، من مقالات صحفية وتحليلات سياسية إلى دراسات أكاديمية وأطروحات جامعية، جميعها تتناول مضامينه العميقة وآفاقه الواعدة. ومع ذلك، وبعد مرور 14 عامًا على إقراره واعتماده، لا يزال يثير تساؤلات مهمة حول مدى تفعيل بنوده على أرض الواقع. الغريب في الأمر، هو غياب احتفالية سنوية منظمة لهذه الذكرى الهامة. فلو كانت هناك احتفالية، لكانت فرصة ثمينة لاستحضار الروح التي ولد بها هذا الدستور، وتحليل ما تم إنجازه، ومناقشة التحديات التي تعترض سبيل التنزيل الكامل والفعال لمقتضياته.
تجليات النكوص والتراجعات: عندما تحيد القوانين عن روح الدستور
من المؤسف ملاحظة أن بعض التراجعات وتجليات النكوص قد بدأت تظهر في الممارسات التشريعية والتنفيذية، مما يثير القلق بشأن مدى الالتزام الفعلي بروح الدستور ومبادئه السامية. هذه التراجعات لا تتمثل بالضرورة في إلغاء صريح لبنود دستورية، بقدر ما هي انحرافات في تطبيقها أو إصدار قوانين تنظيمية وأدنى لا تتناغم مع الغايات العليا للدستور.
على سبيل المثال، بينما نص الدستور على تعزيز مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة والمساءلة، نجد أحيانًا أن بعض النصوص القانونية أو الإجراءات الإدارية لا تعكس هذا التوجه بشكل كامل. كما أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يعد حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي، لا يزال يواجه تحديات في التطبيق العملي، مما يفتح الباب أمام شعور بالإفلات من العقاب في بعض الحالات.
هناك أيضًا تحديات تتعلق بضمان استقلالية بعض الهيئات الدستورية التي نص عليها الدستور، والتي كان من المفترض أن تلعب دورًا محوريًا في حماية الحقوق والحريات وتعزيز الحكامة. ففي بعض الأحيان، قد تظهر ممارسات تحد من صلاحيات هذه الهيئات أو تؤثر على قدرتها على أداء مهامها باستقلالية تامة.
كما أن روح الجهوية المتقدمة، التي تهدف إلى تقريب الإدارة من المواطن وتعزيز الحكامة الترابية، لا تزال تواجه صعوبات في التنزيل الكامل، حيث لا تزال بعض الصلاحيات الحيوية لم تنقل بشكل فعال إلى الجهات المنتخبة، مما يحد من دورها التنموي الفعلي.
نحو نقاش هادئ وتحليل بناء
إن ذكرى دستور 2011 تدعونا اليوم إلى نقاش هادئ وبناء حول هذه التحديات. يجب أن نتساءل بصراحة: ما هي الصعوبات والإكراهات التي تعرقل التنزيل الكامل للدستور؟ هل هي صعوبات مرتبطة بالإرادة السياسية؟ أم بالقدرات المؤسساتية؟ أم بتحديات مجتمعية واقتصادية؟
إن التحليل الهادئ لهذه القضايا يتطلب من جميع الأطراف، من مسؤولين حكوميين وبرلمانيين وقضاة ومؤسسات المجتمع المدني من جمعيات ،نقابات و أحزاب، والمختصين من أكاديميين و إعلاميين، الانخراط في حوار صريح ومسؤول. يجب أن تكون الأولوية لضمان أن تبقى القوانين الدنيا التي تصدر بعد الدستور متوافقة تمامًا مع روحه ومبادئه العليا، وأن تترجم تطلعات الشعب المغربي إلى واقع ملموس.
و في الأخير ، لا يمكن لدستور، مهما بلغت ساميته، أن يحقق أهدافه دون إرادة قوية لتطبيقه وتفعيل بنوده. إن الذكرى الرابعة عشرة لدستور 2011 هي فرصة لتجديد العهد مع مبادئه، والتأكيد على أن المغرب ماضٍ في طريقه نحو تعزيز دولة المؤسسات والقانون، وحماية حقوق وحريات جميع مواطنيه. فهل نغتنم هذه الذكرى لتقييم موضوعي ومحاسبة بناءة، تفتح آفاقًا جديدة نحو تنزيل دستوري كامل وفعال؟

Oh my goodness! Incredible article dude! Thanks, However I
am experiencing troubles with your RSS. I don’t know why I can’t subscribe to it.
Is there anybody getting identical RSS problems? Anybody who knows the answer can you kindly respond?
Thanx!!