16 ذهبية و44 ميدالية.. المغرب يكتب أفضل فصوله المتوسطية
خبر24
تكشف المشاركة المغربية في دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط تارانتو 2026 عن مفارقة لافتة: ارتفاع غير مسبوق في عدد الميداليات، مقابل استمرار اختلالات بنيوية تحد من قدرة عدد من الرياضات على المنافسة والظهور المنتظم في المحافل الدولية.

فمنذ دورة ألميريا سنة 2005، ارتفع رصيد المغرب في الألعاب المتوسطية من 12 ميدالية إلى 33 في وهران، ثم إلى 44 ميدالية في دورة تارانتو 2026، ليضع هذا التطور المغرب ضمن مجموعة الدول الأربع الأكثر تقدماً في المنطقة المتوسطية، إلى جانب تركيا والجزائر ومصر.
غير أن قراءة تركيبة الحصيلة تكشف أن تطور العدد الإجمالي للميداليات لا يعكس بالضرورة تطوراً متوازناً في مختلف مؤشرات الأداء. ففي دورة وهران 2022، تراجعت حصة الميداليات الذهبية إلى 9.1 في المائة من مجموع الحصيلة، مقابل معدل عام لدول المنطقة بلغ 30.6 في المائة، بعدما كان المغرب قد سجل نسبة بلغت 41.7 في المائة من مجموع ميدالياته ذهباً سنة 2018.
وبذلك، فإن جزءاً مهماً من الارتفاع الأخير في الحصيلة ارتبط أساساً بالفضيات والبرونزيات، وليس بارتفاع موازٍ في عدد الميداليات الذهبية.
تارانتو 2026.. أفضل حصيلة مغربية
جاءت دورة تارانتو لتمنح المشاركة المغربية دفعة قوية، بعدما أنهى المغرب المنافسات في المركز السابع في الترتيب العام، محققاً 44 ميدالية، منها 16 ذهبية و9 فضيات و19 برونزية.
وتوزعت الحصيلة حسب الجنس بين 24 ميدالية للذكور، بواقع 11 ذهبية و5 فضيات و8 برونزيات، و17 ميدالية للإناث، منها 5 ذهبيات و4 فضيات و8 برونزيات، إضافة إلى 3 ميداليات برونزية في المنافسات المختلطة.
وعلى مستوى المشاركة، حضر المغرب في 18 نوعاً رياضياً، منها 17 رياضة فردية ورياضة جماعية واحدة، بينما لم تسجل المشاركة المغربية حضوراً في حوالي 15 نوعاً رياضياً من أصل 33 رياضة كانت مبرمجة في الدورة، بينها 5 رياضات جماعية و28 رياضة فردية.
وبلغ عدد أفراد الوفد الرياضي المغربي 120 رياضياً ورياضية، من بينهم 72 ذكراً و48 أنثى.
ألعاب القوى تواصل قيادة الحصيلة
واصلت ألعاب القوى، ولا سيما سباقات المسافات المتوسطة والطويلة، تصدرها للمشهد الرياضي المغربي في الألعاب المتوسطية، إذ شكلت أكثر من نصف الميداليات المغربية تاريخياً، ونحو 80 في المائة من الميداليات الذهبية.
وفي تارانتو، حصدت ألعاب القوى 16 ميدالية، منها 7 ذهبيات و4 فضيات و5 برونزيات، لتكون الرياضة الأكثر تتويجاً ضمن المشاركة المغربية.
وجاءت بعدها الملاكمة بـ6 ميداليات، منها ذهبيتان وفضية وثلاث برونزيات، ثم الكاراتيه بـ5 ميداليات، منها ذهبيتان وثلاث برونزيات، والتايكواندو بـ4 ميداليات، منها ذهبية وفضيتان وبرونزية، والتنس بـ4 ميداليات، منها ذهبيتان وبرونزيتان.
كما حقق المغرب ثلاث ميداليات في الجودو، وذهبية في الجمباز، وبرونزية في المصارعة، وميداليتين برونزيتين في الفروسية، إضافة إلى برونزيتين في كرة القدم.
في المقابل، شارك المغرب في عدد من الرياضات دون أن يتمكن من تسجيل تتويج، من بينها رفع الأثقال والرماية الرياضية والسباحة والمبارزة ورياضات الكرات والترياثلون والبادل.
أرقام قياسية جديدة
أفرزت دورة تارانتو مجموعة من المؤشرات القياسية بالنسبة للمشاركة المغربية، أبرزها الفوز بـ16 ميدالية ذهبية، وهو رقم يتجاوز الرقم السابق المسجل في دورة طراغونة 2018، والذي بلغ 10 ذهبيات.
كما سجل المغرب تتويجاً في 10 رياضات مختلفة، وهو رقم قياسي، وحقق الذهب في 7 رياضات مختلفة، مقابل 4 رياضات فقط في نسختي 1993 و2013.
وسجل المغرب كذلك 9 ذهبيات في رياضات أخرى غير ألعاب القوى، وهو رقم قياسي، بعدما كان أفضل رقم سابق هو 4 ذهبيات في دورة الدار البيضاء 1983.
ومن المؤشرات اللافتة أيضاً تتويج 8 رياضيين تقل أعمارهم عن 23 سنة بالميداليات الذهبية، وهو ما يعكس حضوراً مهماً للعناصر الشابة ضمن الوفد المغربي.
التشبيب ومؤشرات المستقبل
من أبرز الإيجابيات التي أفرزتها المشاركة المغربية عودة رياضات غابت لفترات طويلة عن منصات التتويج المتوسطية، من بينها التنس والقفز على الحواجز والجمباز.
كما أن أكثر من نصف الرياضات التي عرفت حضوراً مغربياً حققت نتائج، وهو مؤشر على وجود قاعدة من الرياضيين الشباب يمكن تطويرها، خصوصاً أن معدل أعمار عدد كبير من الأبطال المشاركين لم يتجاوز في المتوسط 25 سنة.
ويمنح هذا التشبيب هامشاً مهماً للتطور خلال السنوات المقبلة، شريطة توفير المواكبة الفنية والبدنية والنفسية، واستمرار المشاركة في المنافسات الدولية والتربصات.
كما أن اختيار الرياضيين، وفق المعايير المعتمدة للمشاركة، أفضى إلى حضور عناصر قادرة على المنافسة وتحقيق نتائج، وهو ما انعكس على الحصيلة الإجمالية.
الملاكمة.. نتائج كان يمكن أن تكون أفضل
ورغم الحصيلة الإيجابية، سجلت المشاركة المغربية بعض الملاحظات المرتبطة بالتنظيم والتحكيم، خصوصاً في الملاكمة، حيث يرى معد التحقيق أن بعض القرارات التحكيمية أثرت على نتائج الملاكمين المغاربة، وأن الحصيلة كان يمكن أن تكون أفضل في حال تحسن ظروف التحكيم.
وتظل هذه الملاحظة، كما وردت في المادة الأصلية، بحاجة إلى قراءتها في سياق تقييم شامل لأداء الوفد المغربي، بعيداً عن اختزال النتائج في عامل واحد.
اختلالات لا تزال قائمة
في المقابل، كشفت المشاركة عن مجموعة من النقاط السلبية، أبرزها تراجع مستوى بعض الرياضات، ومنها السباحة والبادل ورفع الأثقال، وهو ما ارتبط، بحسب المادة، بقلة المشاركات الخارجية، وضعف التربصات، وغياب الحوافز المادية والمعنوية، إضافة إلى إشكالات مرتبطة بالحكامة والتدبير.
كما أن ضعف التأطير الفني والنفسي حرم المغرب، وفق تقييم معد التحقيق، من فرص إضافية لتحقيق ميداليات ذهبية في عدد من التخصصات.
وتبرز مشكلة أخرى في اقتصار بعض المشاركات على الحضور دون نتائج، إلى جانب الغياب المتكرر للمغرب عن عدد كبير من الرياضات، بما يقلل فرص الاحتكاك الدولي واكتساب التجربة.
أما على مستوى الرياضات الجماعية، فقد اقتصرت المشاركة المغربية على كرة القدم، في الوقت الذي غابت فيه رياضات مثل كرة السلة وكرة اليد والكرة الطائرة وكرة الماء.
إشكالات الجامعات الرياضية
يربط التحقيق جزءاً من هذه الاختلالات بالوضعية الإدارية والمالية لعدد من الجامعات الرياضية، إضافة إلى الصراعات والتعثرات التي تعرفها بعض الأجهزة المسيرة، وما ينتج عنها من توقف للنشاط أو تراجع في عدد الأندية والممارسين.
وتشير المادة إلى أن أكثر من 15 جامعة من أصل 55 توجد، بدرجات مختلفة، في وضعية غير قانونية أو متوقفة عن النشاط أو موقوفة من طرف اتحادات دولية.
وتقدم دورة تارانتو أمثلة واضحة على ذلك، من بينها غياب البادمينتون بسبب تجميد نشاط الجامعة من طرف الاتحاد الدولي، وغياب الكرة الحديدية في صنف البيتاك بسبب توقيف جامعتها، إلى جانب استمرار إشكالات الرماية بالنبال والكانوي، ومشاكل أخرى مرتبطة ببعض الجامعات الرياضية.
وتكشف هذه الحالات أن تطوير الرياضة المغربية لا يرتبط فقط بإعداد الأبطال، وإنما يحتاج أيضاً إلى إصلاح البنية المؤسساتية والتنظيمية للجامعات والأندية.
شروط المشاركة.. منطق “الفعالية” بدل المشاركة من أجل المشاركة
من أهم عناصر المشاركة المغربية في تارانتو اعتماد اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية شروطاً أكثر صرامة لقبول مشاركة الجامعات والرياضيين، بهدف الرفع من مستوى التنافسية والابتعاد عن ثقافة المشاركة لمجرد المشاركة، مع استثناءات مرتبطة ببعض الرياضيين الشباب أو المشاريع الرياضية متوسطة وطويلة المدى.
وانعكس ذلك على حجم الوفد، الذي اقتصر على 120 رياضياً ورياضية، من بينهم 36 لاعباً ولاعبة في فريقي كرة القدم، و84 رياضياً في الرياضات الفردية.
وبحسب المعطيات الواردة في التحقيق، حقق الوفد 44 ميدالية، وهو ما يعكس نسبة نجاح مرتفعة في بلوغ منصات التتويج.
وتحمل هذه المقاربة رسالة إلى الجامعات الرياضية مفادها أن المشاركة في المنافسات الدولية ينبغي أن تكون مرتبطة بمؤشرات واضحة للأداء والاستحقاق، وأن تطوير الرياضيين على المستويات المحلية والجهوية والقارية يجب أن يسبق الوصول إلى المنافسات الكبرى.
ويطرح هذا المنطق أيضاً سؤالاً حول ضرورة توسيع معايير التقييم لتشمل مستقبلاً جودة التأطير والمدربين والمرافقين، باعتبار أن جودة المواكبة عنصر أساسي في تحويل الإمكانات الرياضية إلى نتائج.
322 ميدالية منذ أول مشاركة
وبالعودة إلى السجل التاريخي للمشاركة المغربية في ألعاب البحر الأبيض المتوسط، منذ أول مشاركة سنة 1959 إلى دورة تارانتو 2026، ارتفع مجموع الميداليات المغربية إلى 322 ميدالية، موزعة بين 88 ذهبية و99 فضية و135 برونزية.
وسجل المغرب أكبر حصيلة في تارانتو بـ44 ميدالية، بينما تعود أصغر حصيلة إلى دورتي تونس 1967 وسبليت 1979، بخمس ميداليات في كل دورة.
كما احتل المغرب الرتبة 13 من حيث عدد الرياضات التي حقق فيها تتويجاً، بعدما أحرز ميداليات في 10 رياضات من أصل 18 رياضة شارك فيها.
ما بعد تارانتو
تقدم تارانتو 2026 صورة مزدوجة للرياضة المغربية.
فمن جهة، هناك حصيلة قياسية، و16 ميدالية ذهبية، وتتويج في 10 رياضات، وحضور لافت للعناصر الشابة، وعودة بعض الرياضات إلى منصات التتويج.
ومن جهة أخرى، ما تزال مجموعة من الرياضات تعاني من ضعف المشاركة الدولية، وقلة الممارسين، ومشاكل التسيير والتأطير، فضلاً عن غياب منتخبات مغربية عن عدد من الأنواع الرياضية المبرمجة في المنافسات المتوسطية.
وبذلك، فإن الرهان الحقيقي بعد تارانتو لا ينبغي أن يقتصر على الحفاظ على عدد الميداليات، وإنما على تحويل هذه النتائج إلى قاعدة لإعادة بناء منظومة رياضية أكثر اتساعاً وتوازناً.
ويقتضي ذلك استراتيجية جديدة لنشر الثقافة الرياضية، وتوسيع قاعدة الممارسين، والتعريف برياضات أولمبية لا تزال محدودة الانتشار في المغرب، إلى جانب تحسين حكامة الجامعات، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الرياضة، وتطوير منظومة الرعاية والاحتراف، بما في ذلك تحويل الأندية إلى شركات رياضية وإبرام عقود رعاية لفائدة نخبة الرياضيين في مختلف التخصصات.
فالميدالية، في نهاية المطاف، ليست سوى نتيجة نهائية لمنظومة كاملة. وتارانتو 2026 قدمت للمغرب أرقاماً قياسية، لكنها قدمت في الوقت نفسه صورة واضحة عن المجالات التي تحتاج إلى مزيد من الإصلاح والعمل.
من إعداد:
عبدالرزاق حمادشي
منشط رياضي وباحث في الشؤون الرياضية.
