مذكرات منتحلي الصفات والبطولات الورقية (الحلقة الثالثة)
حين تتحول الشائعات إلى وسيلة لصناعة النفوذ
بقلم: سعيد حمان

ليست الشائعة مجرد خبر كاذب يتناقله الناس، بل قد تتحول إلى أداة مدروسة لصناعة النفوذ، والتأثير في الرأي العام، وتصفية الحسابات. فعندما تعجز الحجة عن الإقناع، ويلوح الدليل غائبًا، يلجأ البعض إلى سلاح الإشاعة، مؤمنين بأن تكرار الرواية كفيل بإكسابها مظهر الحقيقة.
وأخطر ما في هذه الظاهرة أن مروجيها نادرًا ما يواجهون الآخرين بالوقائع. فهم يفضلون التلميح على التصريح، والهمس على المواجهة، لأن الشائعة لا تحتاج إلى برهان بقدر ما تحتاج إلى من يرددها. وما إن تجد طريقها إلى المجالس أو منصات التواصل الاجتماعي حتى تبدأ في الانتشار، فتنتقل من شخص إلى آخر، ومن منشور إلى آخر، إلى أن يختلط الوهم بالحقيقة، ويصبح نفيها أكثر صعوبة من إطلاقها.
ويعتمد صانعو الشائعات على معادلة بسيطة: إذا تعذر الوصول إلى النفوذ بالإنجاز، فليكن بالإثارة. وإذا غاب الاعتراف بالكفاءة، فلتُصنع بطولة وهمية على أنقاض سمعة الآخرين. إنها محاولة لاحتلال مساحة في المشهد العام دون استحقاق، عبر تشويه المنافسين بدل منافستهم، وإضعاف الآخرين بدل التفوق عليهم.

لكن النفوذ الذي يُبنى على الشائعات يظل هشًا بطبيعته، لأنه يقوم على الوهم لا على الحقيقة. أما المكانة التي تُكتسب بالعمل الجاد، والصدق، والالتزام، فإنها أكثر رسوخًا، لأنها تستند إلى ثقة الناس وإلى أثر ملموس لا تهزه حملات التشويه ولا محاولات الإساءة.
ولذلك، فإن المجتمعات الواعية لا تمنح ثقتها لكل ما يُقال، بل تُخضع الأخبار لميزان العقل والتحقق. فالكلمة مسؤولية، والإشاعة ليست مجرد حديث عابر؛ فقد تدمر سمعة إنسان، أو تزرع الفتنة بين الناس، أو تهدم سنوات من الجهد والعمل في لحظات قليلة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أقل ضجيجًا، لكنها أكثر قدرة على البقاء. قد تتأخر في الظهور، لكنها لا تغيب، وقد يحاول البعض حجبها، لكنها تجد دائمًا طريقها إلى النور.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع من يبني نفوذه على الشائعات أن يحافظ عليه عندما تنكشف الحقائق؟ أم أن الزمن، كما أثبت مرارًا، لا يمنح الشرعية إلا لمن صنع مكانته بالصدق والعمل؟