المدرجات تصنع الفارق … أو تهدمه
أسماء قدورين التمسماني
طالبة علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان
عرفت كأس إفريقيا المقامة بالمغرب حالة من التوتر والتضارب داخل الشارع الكروي المغربي، تجلت بشكل واضح عقب تعادل المنتخب الوطني مع نظيره المالي. فقد تصاعدت موجة من الانتقادات الحادة، وارتفعت أصوات تطالب برحيل الناخب الوطني وليد الركراكي، بدعوى فشله التكتيكي، في حين اقترح آخرون خططًا بديلة واختيارات مغايرة، معتبرين أن النهج المعتمد غير ناجع. وهكذا تحوّل جزء من الجمهور إلى “مدرب” و“محلل تكتيكي”، يجزم بامتلاكه الحقيقة الكاملة، وكأن العمل التقني مسألة بديهية لا تحتمل التعقيد.
وفي مشهد لا يقل غرابة، بدت الجماهير المغربية منقسمة في مدرجات البطولة؛ فبينما اختار بعض المشجعين توجيه حماسهم وتشجيعهم للمنتخبات المنافسة عبر الترحيب والتصفيق ورفع المعنويات، وجد المنتخب الوطني نفسه في مواجهة ضغط نفسي كبير من جمهوره وعلى أرضه، تجسد في صافرات الاستهجان، والنقد اللاذع، والتصريحات المستفزة التي طالت المدرب واللاعبين على حد سواء.
والمفارقة أن هذا المناخ المشحون يتزامن مع مطالب جماهيرية صريحة بضرورة التتويج بالكأس الإفريقية، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول دور الجمهور في دعم منتخبه، وحدود النقد، وتأثيره على الأداء الذهني والنفسي داخل المنافسات الكبرى.
وسط هذا الجدل، يبرز اعتراف دولي لافت يضع النقاش في سياقه الأوسع؛ إذ حلّ الناخب الوطني وليد الركراكي في المركز السابع عالميًا ضمن التصنيف السنوي للاتحاد الدولي لتاريخ وإحصاءات كرة القدم (IFFHS)، وهو تصنيف يستند إلى معايير دقيقة تقيس الأداء السنوي لمدربي المنتخبات الوطنية بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية. فهذا التصنيف لا يستمد شرعيته من مباراة واحدة أو نتيجة ظرفية، بل من مسار متكامل يُقيَّم على أساس الاستمرارية والنتائج والقدرة على إدارة المجموعة في مختلف السياقات التنافسية. وحصول الركراكي على 25 نقطة، متقدمًا على أسماء تدريبية وازنة، يبرز الفجوة بين النظرة التقنية المتخصصة والأحكام المتسرعة التي يصدرها جزء من الرأي العام.
ويعكس هذا الاعتراف الدولي حالة من الاستقرار الفني التي عرفها المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا منذ الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، حين بلغ “أسود الأطلس” المربع الذهبي كأول منتخب إفريقي وعربي يحقق هذا الإنجاز. ولم يكن ذلك مجرد لحظة عابرة، بل شكّل نقطة تحول في هوية المنتخب، من فريق يبحث عن التأهل إلى فريق يحسب له حساب في المعادلة الكروية العالمية.
ومع ذلك، لم يشفع هذا الرصيد الإيجابي أمام موجة النقد الداخلي، ما يكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بثقافة التلقي الرياضي وحدود الوعي الجماهيري بدور الدعم النفسي في صناعة الإنجاز.
يبقى العامل الجماهيري عنصرًا حاسمًا لا يقل أهمية عن الاختيارات التقنية والتكتيكية؛ فالجمهور، في كل التجارب الكروية الكبرى، كان ولا يزال اللاعب رقم 12، القادر على رفع المعنويات أو كسرها، وتحويل الضغط إلى طاقة إيجابية أو عبء نفسي ثقيل.
ومع اقتراب لحظات الحسم في كأس إفريقيا المقامة على أرض المغرب، يصبح دعم المنتخب الوطني مسؤولية جماعية قبل أن يكون مجرد انفعال عاطفي مرتبط بالنتائج. فالمنتخب، بطاقمه التقني ولاعبيه، في حاجة إلى مساندة حقيقية داخل الملعب وخارجه: في المدرجات، في الشارع، وفي الفضاء الرقمي.
فالمساندة الواعية تدرك أن النقد البناء لا يكون بالصافرات أو التجريح، وأن الانتصارات الكبرى لا تُصنع في أجواء الشك والانقسام. كما أن المبالغة في تشجيع المنتخبات المنافسة داخل بلدنا، مهما كانت الدوافع، تطرح تساؤلات حول الأولويات في لحظة لا تحتمل تشتت الانتماء.
نحن أمام بطولة واحدة، ومنتخب واحد، وحلم واحد. والفوز لا يتحقق إلا بروح جماعية موحدة تؤمن بأن التشجيع ليس ترفًا، بل جزء أساسي من المعادلة. وإذا أردنا أن يتوج هذا العرس الإفريقي بلقب يُضاف إلى سجل الوطن، فعلينا أن نكون في مستوى اللحظة، وأن نختار الاصطفاف خلف منتخبنا بروح واحدة، من أجل وطن واحد، وحلم واحد يستحق أن يُعاش جماعيًا.
