لوكورنو إلى ماتينيون: مسكّن سياسي في جسد فرنسا المريض
متابعة: زكية لعروسي
فرنسا، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها قلب الديمقراطية الأوروبية، تدخل اليوم مرحلة سياسية واجتماعية شديدة الاضطراب. فمع سقوط حكومة فرانسوا بايرو مساء الإثنين، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون تعيين وزير الدفاع سيباستيان لوكورنو رئيسا للوزراء. خطوة وصفت بأنها محاولة لحقن النظام السياسي بجرعة استقرار، لكنها تبدو أقرب إلى مسكن وقتي داخل جسد منهك بالأزمات المتراكمة.
تعيين لوكورنو لا يخفي الحقيقة الجوهرية: النظام السياسي الفرنسي يعيش انسدادا غير مسبوق. ماكرون، الذي أضاع أكثر من عام في البحث عن معادلة برلمانية مستحيلة، يجد نفسه اليوم رئيسا بلا أغلبية حقيقية، وبلا سند حزبي قادر على ضمان الاستقرار. دخول لوكورنو إلى ماتينيون قد يوفر خبرة إدارية وشخصية براغماتية، لكنه لا يغير من المعادلة البنيوية: أزمة ثقة بين السلطة والمجتمع، وانقسام سياسي حاد يجعل من أي توافق مهمة شبه مستحيلة.
المأزق السياسي يتزامن مع تصعيد إجتماعي متسارع. حركة Bloquons tout (لنجمّد كل شيء) تستعد للنزول غدا إلى الشارع، في مشهد آخر من العصيان المدني الذي يضع الدولة في مواجهة مباشرة مع شعبها. ومع إعلان الداخلية نشر 80 ألف شرطي ودركي، يبدو أن الخيار الأمني يطغى مرة أخرى على المعالجة السياسية. إنها مواجهة مفتوحة بين دولة متمسكة بسلطتها وشارع لم يعد يثق بوعودها.
وسط ضجيج السياسة والاحتجاج، يطل وجه آخر للأزمة: الفقر المتفاقم. في ضواحي باريس مثل سان دوني، المشهد أكثر قسوة من أي خطاب رسمي: شباب بلا أفق، عائلات تتنفس الهامش، وطبقة وسطى تتآكل يوما بعد يوم. ليست هذه مأساة المهاجرين وحدهم، بل مأساة فرنسيين كثر سحقهم الغلاء والبطالة وانكماش الأمان الاجتماعي. الدولة تبدو منشغلة أكثر بإدارة التوترات الأمنية بدلا من معالجة جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
كما لو أن السياسة والشارع لا يكفيان، يطل شبح الاقتصاد. وكالة فيتش تستعد لمراجعة التصنيف الائتماني لفرنسا، في خطوة قد ترفع كلفة الديون وتزيد الضغط على مالية الدولة. ماكرون، الذي يواجه تآكلا في شعبيته، يجد نفسه أمام معضلة مزدوجة: إقناع الفرنسيين بالمزيد من التضحيات بينما الثروات الكبرى تبقى محمية من أي مساس جوهري.
بينما تتغنى فرنسا بانتصارات منتخبها في بارك دي برانس، تتوارى الحقيقة الأكثر إيلاما: أحياء كاملة بلا أمل، شباب مغلق الأفق، ونظام اجتماعي يتداعى تحت وطأة الفوارق. المفارقة أن بلد الثورة وحقوق الإنسان يبدو عاجزا عن حماية عقده الاجتماعي من الانهيار.
تعيين سيباستيان لوكورنو رئيسا للوزراء قد يمنح الإليزيه جرعة قصيرة من الانضباط السياسي، لكنه لا يبدد الغيوم الثقيلة التي تخيم على فرنسا. فالأزمة أعمق من مجرد تغيير في الأسماء: إنها أزمة عقد اجتماعي يتآكل يوما بعد يوم، وشرخ متسع بين السلطة والمجتمع. لوكورنو، القادم من وزارة الدفاع، قد يملك أدوات الحزم والانضباط، لكنه يواجه اختبارا يتجاوز خبرته العسكرية: كيف يعيد الثقة إلى شعب فقد الأمل في وعود الجمهورية؟ الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد إن كان تعيينه بداية تعاف، أم مجرد محطة أخرى على طريق الانحدار.
