الحركة الأمازيغية والتحول الضروري من خطاب الاحتجاج إلى قوة اقتراح
محمد معراد
لم يكن النضال الأمازيغي، في أي مرحلة من مراحله، مجرد دفاع عن لغة أو ثقافة معزولتين عن واقع المجتمع، بل شكّل منذ بداياته مسارًا كفاحيًا من أجل الكرامة والعدالة والاعتراف بالإنسان الأمازيغي كمواطن كامل الحقوق. غير أن التحولات السياسية والاجتماعية التي يعرفها المغرب اليوم تفرض على الحركة الأمازيغية مراجعة خطابها وأساليب اشتغالها، دون التفريط في جوهر نضالها أو التراجع عن مكتسباتها.
لقد مثّل الاعتراف الدستوري بالأمازيغية محطة مفصلية في مسار هذا النضال، غير أنه لم يكن نهاية الطريق. فالواقع اليومي يبرز أن هذا الاعتراف ما يزال جزئيًا ومحدود الأثر، وأن تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية يتم بوتيرة بطيئة، وأحيانًا بمنطق تقني وإجرائي يفرغه من مضمونه السياسي والحقوقي. ومن هنا، يصبح الاستمرار في النضال ضرورة ملحة، لكن بنفس جديد ورؤية أكثر شمولية وعمقًا.
إن اختزال القضية الأمازيغية في بعدها اللغوي أو الثقافي فقط يُضعفها ولا يخدم أهدافها الحقيقية، فالأمازيغية ترتبط ارتباطًا عضويًا بقضايا التنمية، والعدالة المجالية، والتعليم، والصحة، والبيئة، والحق في الأرض والثروات. فالمواطن الأمازيغي لا يعاني فقط من التهميش اللغوي، بل يواجه أيضًا الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في المناطق الجبلية والقروية التي ما تزال تعيش أوضاع هشاشة، رغم ما تزخر به من إمكانيات طبيعية وبشرية مهمة.
إن تجديد الخطاب الأمازيغي لا يعني التخلي عن المطالب التاريخية، بل يقتضي إعادة صياغتها بلغة سياسية واضحة، قادرة على التأثير في الرأي العام وصنّاع القرار. كما يستدعي الانتقال من خطاب الاحتجاج وحده إلى خطاب الاقتراح، ومن منطق ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن العمل المناسباتي الظرفي إلى العمل المؤسسي المنظم والمستدام.
وفي هذا السياق، تصبح تقوية الحضور السياسي للحركة الأمازيغية مسألة أساسية، إذ إن السياسات العمومية لا تُصاغ داخل الفضاء الجمعوي فقط، بل داخل المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار. إن غياب صوت أمازيغي قوي وواعٍ داخل هذه الفضاءات يترك المجال مفتوحًا أمام مقاربات شكلية تُوظَّف فيها الأمازيغية رمزيًا، دون إرادة حقيقية لتفعيلها على أرض الواقع.
وفي الآن نفسه، يحتاج النضال الأمازيغي إلى مزيد من الانفتاح على المجتمع، وبناء تحالفات واسعة مع باقي القوى الديمقراطية والحقوقية. فالقضية الأمازيغية ليست قضية فئة أو هوية منغلقة، بل هي قضية مجتمع بأكمله، يسعى إلى ديمقراطية حقيقية قائمة على المساواة والاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي.
وخلاصة القول، إن الحركة الأمازيغية اليوم أمام مرحلة تاريخية مفصلية: إما أن تظل أسيرة خطاب تقليدي محدود التأثير، أو أن تنخرط في تجديد شمولي يجعلها قوة اقتراحية ونضالية فاعلة، تواصل الدفاع عن اللغة والثقافة دون أن تغفل المعارك الكبرى من أجل العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. فالأمازيغية، في عمقها، ليست مجرد لغة أو موروث ثقافي، بل مشروع تحرر إنساني وديمقراطي متجدد.
