قراءة في الجسد الرقمي من خلال تحركات الأصابع
العتوبي عبدالإله، باحث في سوسيولوجيا الهشاشة والحياة اليومية.
في زمن تحولت فيه الشاشات نحو امتداد للذوات، لم تعد الأصابع مجرد أدوات إدخال عبر الرقن، بل تحولت إلى مرايا تعكس عمق الشخصيات وهشاشتها واختلال علاقتها بالعالم المحيط.
من خلال ملاحظة دقيقة لحركات الإبهام على الهواتف الذكية، يتبين أن الجسد الرقمي أصبح هو من يفصح عما لا تقوله اللغة، فالإبهام الذي يتحرك بسرعة جنونية نحو الأعلى، وكأنه يفر من شيء ما، يوحي باضطراب داخلي، برغبة لا شعورية في التخلص من الفراغ، بالاندفاع نحو شيء مجهول يخفف من وطأة الملل أو الألم، ربما، أو الرغبة في النسيان. ذلك التمرير المتسارع ليس بريئا، بل يخفي وراءه تمثلا استهلاكيا للزمن، حيث يختزل المعنى في لحظة، ثم يقذف في سلة النسيان. أما الإبهام الذي يتحرك ببطء، بتأن مفرط، فهو الآخر لا يخلو من دلالة: قد يعكس غفلة، بلادة، سذاجة رقمية، حين يصدق كل ما يعرض عليه، فيتفاعل معه تلقائيا، وكأن صاحبه لا مسافة نقدية بينه وبين العالم.
حين نراقب الملامح التي ترافق هذه الحركات، نلاحظ ابتسامات عابرة، ضحكات مكتومة، انفعالات عاطفية، تنفلت من الجسد دون استئذان، وكل ذلك تحت ضغط السماعات التي تعزل الشخص عن محيطه، فيعيش في فضاء افتراضي مغلق لا ينتمي إلا له، إلا حين يعود للحظة إلى الواقع، كرحلة مؤقتة لالتقاط النفس.
هناك أيضا صنف لا يكتفي بالمشاهدة والتفاعل، بل يسارع إلى مشاركة ما وجده مثيرا مع من حوله، في تعبير عن رغبة في التواصل الواقعي، هؤلاء لم ينفصلوا بالكامل عن الآخر، بل يبحثون عن التشارك رغم الطوفان الرقمي الذي حولهم إلى غرقى.
لكن الأهم من كل هذا، هو التحول العميق الذي أصاب الشاشة: من نافذة للتصفح، إلى مسرح محمول، تتحرك فوقه الأصابع مثل دمى مربوطة بخيوط لاواعية. كل ضغطة، كل سحب، كل نقر، لم يعد اختيارا حرا بقدر ما هو استجابة تلقائية لإغراءات مبرمجة بعناية.
نحن لا نتحكم بما نراه، بل ندفع لرؤيته، نستدرج لملاحظته، نُغرى للتفاعل معه. الحركات الجسدية التي تبدو “طبيعية” هي في الحقيقة مسرحة تامة للسلوك الرقمي، حيث تعاد صياغة الشخصية في كل مرة وفق سيناريو غير مكتوب، لكنه مزروع بدقة داخل شيفرات الخوارزميات. وفي هذا المسرح الصامت، لا أحد يلاحظ الخيوط الشفافة التي تحرك “الدمى”، لأنها خيوط مصنوعة من رغباتنا، من هشاشتنا، من حاجتنا إلى الانتماء والفرار والضحك والاشتعال اللحظي. تلك الحركات اليومية البسيطة، التي نظنها عفوية، صارت طقوسا رقمية جديدة، نمارسها كما تمارس الطقوس الدينية القديمة: بشكل مكرر، مفرغ من التأمل، ومشبع بالانفعال.
وكلما ظن الإنسان أنه يمسك بزمام هاتفه، كلما توغل داخله وهم السيطرة، دون أن يدرك أنه هو ذاته من يتم التحكم به، لا في عواطفه فقط، بل في سلوكه وتفكيره وخياراته ومزاجه اليومي، هنا يكمن الخطر الكبير.
فالعالم الرقمي لم يعد يكتفي بتوجيه المشاعر، بل بدأ مرحلة أكثر عمقا: التلاعب بالسلوك، وإعادة برمجة ردود الفعل البشرية. لم تعد الشركات الكبرى العابرة للحدود الرمزية تكتفي بمعرفة ما نحب أو نكره، بل أصبحت تزرع فينا ما يجب أن نحبه، وتدفعنا لاتخاذ قرارات لا تشبهنا.
نحن ندخل إلى الشاشة بحثا عن الترفيه، فنخرج منها وقد تم تطبيع ذوقنا، وتعديل سلوكنا، وربما مسح جزء من وعينا النقدي.
إنها ليست مجرد حركة إبهام، بل مسار خفي من التشكيل الرمزي، يتراكم يوما بعد يوم. وكلما غاب النقد، وتأخر السؤال، وانمحى التأمل، كلما تسارعت وتيرة الابتلاع الرقمي. والخطر ليس في الضياع المؤقت بل في التعود على هذا الضياع، حتى يصير هو القاعدة. إن لم نعد نمسك بخيوط وعينا، فإن أصابعنا ستبقى تحركها قوى خفية، لن نراها إلا بعد فوات الأوان.

